أبي منصور الماتريدي
141
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الاستخفاف به . وعلى ذلك أمر اللعان ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يقل : أحدكما كافر ، فهل منكما من مؤمن ؟ لأنهما لم يقصدا ذلك القصد . فكذا كل حالف على تعمد الكذب . واللّه الموفق . وقوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ، قال سعيد بن جبير « 1 » : هذا محمول على قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أي : لا يؤاخذكم اللّه بنقض أيمانكم التي حلفتم بها ؛ لأنها معصية لله ، ولكن يؤاخذكم بحفظها والمضي عليها . ثم اختلفوا في اللغو ما هو ؟ قال بعضهم : هو الإثم . وقيل : هو الغلط . ثم اللغو المذكور الذي أخبر أن لا مؤاخذة على صاحبه يحتمل ألا يؤاخذه بالإثم ، ويحتمل ألا يؤاخذه بالكفارة ، بل إنما يؤاخذ بالكفارة بما يعقد . ثم ذكر في الآية الثانية : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [ المائدة : 89 ] ، ولو حمل على أنه لا يؤاخذ في هذا أيضا بالإثم وقع الكلام - بحيث لا يفيد - في حد التكرار . والأصل عندهم : بأن حمله على ما يفيد أحق من حمله على ما لا يفيد ؛ فثبت أن الأول في نفى الإثم ، والثاني في نفى الكفارة . وعلى هذا القول في الغموس : إنه لعظم الوزر والإثم لم يلزم أن يكفر ، فليس فيه الكفارة « 2 » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 4448 ) بنحوه . ( 2 ) اليمين الغموس : هي الكاذبة عمدا في الماضي أو الحال أو الاستقبال ، سواء أكانت على النفي أم على الإثبات ، كأن يقول : واللّه ما فعلت كذا ، وهو يعلم أنه فعله ، أو : واللّه لقد فعلت كذا ، وهو يعلم أنه لم يفعله ، أو : واللّه ما لك علىّ دين ، وهو يعلم أن للمخاطب دينا عليه ، أو : واللّه لا أموت أبدا . وكأن يقول : إن كنت فعلت كذا ، أو : إن لم أكن فعلته ، أو إن كان لك على دين ، أو : إن مت فأنا يهودي أو نصراني . هذا تعريفها عند الحنفية . وذهب المالكية إلى أن الغموس : هي الحلف بالله مع شك من الحالف في المحلوف عليه ، أو مع ظن غير قوى ، أو مع تعمد الكذب ، سواء أكان على ماض نحو : واللّه ما فعلت كذا ، أو : لم يفعل زيد كذا ، مع شكه في عدم الفعل ، أو ظنه عدمه ظنا غير قوى ، أو جزمه بأنه قد فعل ، أم كان على حاضر نحو : واللّه إن زيدا لمنطلق أو مريض ، وهو جازم بعدم ذلك ، أو متردد في وجوده على سبيل الشك أو الظن غير القوى ، أم كان على مستقبل نحو : واللّه لآتينك غدا ، أو : لأقضينك حقك غدا ، وهو جازم بعدم ذلك ، أو متردد في حصوله على سبيل الشك أو الظن غير القوى . وقال الشافعية والحنابلة : إن الغموس هي المحلوفة على ماض مع كذب صاحبها وعلمه بالحال . -